proces-a-distance

proces-a-distance

  • Publié le 07 mai 2020
  • 360 Vues
  • Commentaires

سعيـــد اشتـــاتو

باحث بسلك الدكتوراه

كلية الحقوق السويسي-الرباط

لم نــــــكن نعلم أن عبارة Hecube في حــــــرب طــــــروادة (إن القانون يُسجَنُ في لحظة الحرب)، سيــــــكون لهـــــا أثـــــر بليغ في لحـــــظة طـــــوارئ صـــــحية، كالــــــتي نُعايِشُــها حــــــالياً.

بديهي إذاً، أن نُخَاطر بالقول أننا نشهد أبشع التجاوزات القانونية، لدرجة غدت العدالة مادة رياضية تقبل التجريب والفَحص، في لحظة كانت تقتضي كثير من اليقظة والصرامة، مسطريا وموضوعيا.

إن المتأمل في مشروع إجراء المُحاكمَات عن بعد في ملفات الاعتقال، لابد وأن يستشعر حجم التسرع الذي واكب تنزيله، وله أن يتساءل عن سبب إقباره طيلة خمس سنوات، ثم إخراجه للوجـــــــــــود من خلال "تجريبهفي القــــــــــــضايا الزجـــــــــــرية ابتداءً، وفحص نجاعته في مادة لا تقبل إلا الإدانة أو البراءة، وفي تجاهل تام لأدنى مقومات المحاكمة العادلة.

الجميع يتفق أن "تجريبالتقنية في منظومة العدالة سيكون شديد الفائدة، إن حصل في المادة المدنية أو الإدارية أو التجارية، التي تقبل إصلاحاً في حال وقوع خطأ أو سهو، على عكس المادة الزجرية التي تتطلب يقيناً تاماً لا يُقَلِبُهُ شكّ.

فأمام غياب ضمانات المحاكمة العادلة في مثل هذه الإجراءات التي تتم عن بعد، من مبدإ الحضورية والتواجهية والشفهية، تُطرح مُكنة لأصحاب البذلة السوداء بالدفع بالبطلان، خصوصا وأن الفصل 751 من قانون المسطرة الجنائية ينص على أن أي إجراء يأمر به قانون المسطرة الجنائية، ولم يثبت إنجازه على الوجه القانوني، يعد كأنه لم ينجز، ولو تم الأمر بعد قبول المُقتَرَح من قبل المُعتَقَل، طالما أن قانون المسطرة الجنائية لا يعرف تنظيما قانونيا لهذا الإجراء.

وَلِنَقُل افتراضاً تحقق مبدأ الحضورية في المحاكمة الزجرية عن بعد من خلال تقنية Visioconférence، كمحاولة للبعض لإضفاء الشرعية على هذه التجربة المستعصية في لحظة توجّس وريبة كهذه، لكن لن يغامر أحد بذكر اجتهادا للغرفة الجنائية لمحكمة النقض الفرنسية، رغم أنه أضحى استثناءً اليوم لا قاعدة، حيث أصدرت قرارا جريئا بتاريخ 16 أبريل 2008 عدد 06-20391 ، يؤكد على منع استعمال تقنية الفيديو Visioconférence في المراكز المخصصة للحراسة النظرية أو من المعقل، بل فقط من قاعات المحاكم التي تكون مفتوحة لعموم المواطنين، أي بالنسبة للقاضي والطرف الثاني موضوع المتابعة، بما يتماشى مع شروط المحاكمة العادلة، وتوفير الظروف المعنوية والإحساس بالاطمئنان، أو أن يفتحوا نقاشاَ مُماثِلاً لما خلقته المادة 706-71 من قانون المسطرة الجنائية الفرنسية من مَشَاقٍ قانونيّ ودستوري.

إن القضايا الزجرية عامة يحكمها أيضاً ضابط القناعة الوجدانية للقاضي إلى جانب المقتضيات القانونية، التي غالبا ما يؤسسها في حضرة الأطراف، بشكل مادي لا افتراضيلكـــــــــــن المؤســـــــف أنه إذا حضــــــرت التقنية، ولو عن قرب، غابت المشاعر. وكثيرة هي الملفات التي حُكِمَت بابتسامة أو رعشة يدين، أو شعور وإحساسولأسف أننا لم نستوعب بعد قول Voltaireمن الأفضل أن يكون مائة مذنب حرّا، على أن يكون بريء واحد مُسجَن.

Vaut mieux cent coupables en liberté qu’un seul innocent en prison

هكذا، يبدو أن سعي وإصرار الساهرين على قطاع العدالة، بالاعتماد على المحاكمة الزجرية عن بعد، وأيضاً مُطالبة القضاة بالإسراع في تجهيز الأحكام، دون أي إشراك لقطب رئيسي في منظومة العدالة، بل في تجاهل تام لمؤسسة الدفاع ومقومات العدل، يُعطي انبطاعاً أوليا بضيق الأفق وسطحية الرؤى.

كما أنه لن يعترض أحد في القول بأن التجربة المغربية في المحاكمة الزجرية عن بعد هي تجربة غارقة في التقليد، خصوصا من نظيرتها الفرنسية، ولا إشكال في ذلك، طالما أن الذهاب نحو الفرنسيين هو توجه نحــــــــــــــو إبداعهم في منظــــــــــــــومة العدالة. لكن لابد وأن نستحضر هنا، أن فرنسا لم تتجرأ يوماً على ممارسة مماثلة كهاته التي نعيشهاليس دفاعاً عن فرنسا وتبريراً لمسلك، ولا تفكيكا أو تكسيراً للفكرة وللشيء المشترك، ولكن محاولة للوعي أكثر بسموّ فكرة العدالة!

الحاصل هنا أن الأجهزة الوصية قد رصدت لهذا المشروع عن بعد، ما يكفي من اللوجيستيك، لكن غُيِّبَ فيها القانون قهراً، فأضحت الكلمة الأخيرة للتقنية لا للمتهم. الرهان اليوم لمن يَنتَصِر وَيُرافِع لعدالة عن قُربٍ من المعتقلين، لعدالة بدون شَاشَات.

لسنا أمام محــاكمة لفكرة العدالة عن بعد، بل فقط محاولة فتح أفــق للنقاش، طالما أن النقاش لا يُقترن بجزاء. وهي أيضا دعوة لإفساح المجال لمن قد نختلف معه في القراءات بشأن هذا النوع من المحاكمات، بشأن عُطب العَدالة الذي نَشهدُ وُقوعَه، إن صحّ التقدير!

Rechercher un article