قراءة قانونية لحق التظاهر و التجمهر
Omar Alouane
Avocat au barreau de Casablanca

قراءة قانونية لحق التظاهر و التجمهر

  • Publié le 04 juil. 2017
  • 6246 Vues
  • Commentaires

ماهي الترسانة الدستورية، والقانونية، التي تقربنا من فهم، المجال المسموح به قانونا، لممارسة حق التظاهر و التجمهر بطريقة سلمية دون الإخلال بالمن العمومي، ومطالبة الجماهير علنا، بمطالب وحاجيات اقتصادية، واجتماعية، وثقافية، وبيئية؟ وما هي الحدود، التي لا يمكن لأي فرد، او جماعة، او سلطة، تجاوزها، وذلك في احترام تام لمقتضيات الدستور، والنصوص القانونية، التي تخص وتؤطر هذا المجال؟


اتضح من خلا ما تناقلته وسائل الإعلام خصوصا العالم الازرق، أن هناك انفلاتات سواء من جهة المواطنين، وصلت حد ارتكاب جرائم الموضوع: من انتهاك حرمة أماكن العبادة، والاعتداء على ممتلكات، محاولة القتل، و الاعتداء على رجال الأمن كما جاء على لسان وزير الداخلية، إحراق مبنى عمومي أو كل ما يجرمه القانون الجنائي المغربي. وسجلت كذلك انفلاتات من جهة السلطة المكلفة بإنفاذ القانون: وذلك باستفزازها أو استعمال العنف اللفظي والجسدي ضد المتجمهرين.

واستحضارا منا للفصل 6 من الدستور( دستور 2011) الذي ينص على أن القانون هو أسمى تعبير، عن ارادة الأمة، والجميع، اشخاص ذاتيين، واعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون، وملزمين، بالامتثال له ".

وكذلك استحضار مقتضيات الفصل 37 من الدستور التي تنص: " على جميع المواطنات والمواطنين، احترام الدستور، والتقيد بالقانون، ويتعين عليهم ممارسة الحقوق، والحريات، التي يكفلها الدستور، بروح المسؤولية، والمواطنة الملتزمة، التي تتلازم فيها ممارسة الحقوق، بالنهوض بأداء الواجبات "

يستشف من استقراء هذين الفصلين، ان الدستور الذي هو اسمى قانون، حدد من الناحية المبدئية، حقوق وواجبات، و رسم حدود، تهم الاشخاص الذاتيين والاعتباريين، بما فيها السلطات العمومية، هذه الحدود يتعين التقيد بها فالفاصل والحاسم فيها، هو احترام الدستور، والالتزام والتقيد بالقانون بطبيعة الحال، تحت طائلة اقرار جزاءات تنص عليها قوانين خاصة بكل مجال يتم خرق قواعده. 

لأجله ارتأينا، في هذه الدراسة المتواضعة، استحضار النصوص الدستورية، والقانونية، التي تؤطر وتحصر المجال الدستوري و القانوني "لحراك منطقة الريف "، مع الاشارة الى بعض الهيئات المنصوص عليها دستوريا والمخول لها قانونا، لعب دور ايجابي، في مثل هذه الظرفية كتأطير المواطنين والتواصل مع هذا الحدث، وإجراء التحريات والبحت عن دواعي والأسباب الحقيقية لهذا الحراك، بشكل ناجع يسمح بتجاوز هذا الوضع بأخف الاضرار، و بشكل ايجابي، سواء بالنسبة للساكنة موضوع التجمهر او بالنسبة للسلطة الحكومية .

"اولا: الإطار الدستوري والقانوني "لحراك الريف

يشير الفصل 29 من دستور المملكة (دستور 2011) عن ان حرية الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي مضمونة ويحدد القانون شروط ممارسة هذه الحريات 

نعتقد ان "حراك الريف" لا يدخل في إطار المظاهرات بالطرق العمومية، لان هذه المظاهرات، خصصها المشرع في ظهير المنظم للتجمعات العمومية، حكرا على الاحزاب السياسية، والمنظمات النقابية، والهيئات المهنية، والجمعيات المصرح بها بصفة قانونية مع التقييد باحترام مجموعة من الشكليات، كتقديم التصريح للسلطة المحلية المختصة، يحدد فيه اليوم، والساعة، ومكان وموضوع الاجتماع، والأطراف التي تقدمت بهذا التصريح.

من ثمة فالتكييف القانوني، " لحراك الريف"، في اعتقادنا، يدخل قانونا في إطار التجمهر، الذي ينظمه الكتاب الثالث من نفس الظهير، وبالضبط الفصل 17 من ظهير 15 نوفمبر 1958 الخاص بالتجمعات العمومية كما وقع تغييره وتتميمه الذي يشير: "يمنع كل تجمهر مسلح في الطريق ألعمومية، و يمنع كذلك في هذه الطريق، كل تجمهر غير مسلح قد يخل بالأمن العمومي " 

كما أن الفصل 19 من نفسر الظهير، ينص على الاجراءات، الواجب اتخاذها، من طرف السلطات العمومية، كالإعلان عن وصولها، لعين المكان، حاملة لشارات وظيفية، مستعملة مكبر الصوت، مع توجيه الامر لفظ التجمهر والانصراف، و قراءة العقوبات عليها في الفصل 20 والفصل 21 من الظهير التي تحدد الجزاء في عقوبة سالبة للحرية، تحدد ما بين 1 شهر و 3 اشهر وغرامة تتراوح مابين 1.200 و 5.000 درهم، او بإحدى هاتين العقوبتين فقط، لكل من شارك في تجمهر غير مسلح، ولم ينسحب إلا بعد توجيه الانذار الاول، والتاني، والثالث، مع ختمه بعبارة " اننا سنعمل على تفريق التجمهر بالقوة ".

وقد تصل العقوبة الى 6 اشهر، في حالة، لم يتأت معه، تفريق التجمهر، إلا باستعمال القوة وبالتالي نستنج، باستحضارنا وربطنا للفصل  29 من الدستور،2011 والفصل 17 من ظهير 15 نوفمبر 1958 الخاص بالتجمعات العمومية، ان الدستور يضمن حق التجمهر في الطريق العمومية شريطة ان لا يخل بالأمن العمومي.

ثانيا، تأطير حراك الريف واحتواؤه من طرف الهيئات الدستورية

مع تزامن وقوع "حراك الريف" الذي دام عدة شهور منذ أكتوبر الفارط، سجل الجميع، مع الاسف، غياب التعاطي والتفاعل المباشر الفوري والاني، لمجموعة من الهيئات الدستورية، التي تخول لها الوثيقة الدستورية، واجب التدخل والتفاعل الايجابي مع تلك الاحداث وفهم ما جرى، وإحاطة المواطنين والرأي العام بذلك بل وباستقراء نصوص الدستور، يفهم على ان هذا الامر من واجباتها.

فماهي هذه الهيئات الدستورية التي خصها المشرع بهذه الاختصاصات وأخلت بالقيام بواجبها في الوقت المناسب، او على الاقل تأخرت في التعاطي الايجابي مع احداث "حراك الريف" وتأطيره والاستماع لمطالب الساكنة باعتماد المقاربة التشاركية واحتوائه بشكل اني وناجع ؟

1)  الاحزاب السياسية

طبقا للفصل 7 من دستور 2011، فالعمل الاساسي للأحزاب السياسية، هو تأطير المواطنين، وتكوينهم الأساسي وانخراطهم في الحياة الوطنية. مع الأسف، سجل الانتظار والغياب التام لهذا التأطير، والدور الايجابي، والتقليدي الآني والفوري، خلال هذا الحراك لمختلف الأحزاب السياسية بدون استثناء. 

 كما ان الاحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، لم تقم بإعمال مبدأ مسؤوليتها السياسية والتشريعية، فيما يتعلق بحماية حقوق الإنسان، والحريات الاساسية للمواطنين، عندما وقعت افعال ماسة او مهددة لقيم المجتمع واختياره الديمقراطي.الأمر الذي يطرح بشكل جدي شيخوخة الأحزاب السياسية، وضرورة التفكير في تقويتها بكل الوسائل، وإعادة النظر في ظروف اشتغالها، لأن بوجود أحزاب قوية ن فيه ضمانات وهي الصمام الواقي لكل المؤسسات الدستورية بالبلاد الأمر الذي لا يجب استبعاده و إغفاله.  وان اقتضى الحال خلق أحزاب جديدة قوية يتزعمها نخبة من الشباب الكفء، الأمر الذي يستدعى تعديل الشروط التعجيزية المتعلقة بتأسيس أحزاب جديدة وقوية.

2) المعارضة البرلمانية

دستور 2011 في فصله 10، يضمن للمعرضة البرلمانية، مكانة، يخولها حقوقا، من شانها تمكينها، من النهوض بمهامها،على الوجه الأكمل في العمل البرلماني، والحياة السياسية. بل ان من الحقوق الأساسية، التي يضمنها الدستور، للمعارضة البرلمانية، تتمثل مراقبة العمل الحكومي، لاسيما عن طريق مسائلة الحكومة وتقديم الاسئلة الشفوية الموجهة لها. بل هناك إمكانية، لخلق لجن نيابية لتقصي الحقائق، تكون مهمتها، جمع المعلومات المتعلقة بوقائع معينة، او تكون هذه اللجنة، مدعمة بخيرة امنية، وقانونية، تساعدها، على اعداد تقارير موضوعية، ودالة، بعيدا عن الاعتبارات السياسية الصرفة. وهذا الامر بطبيعة الحال يجب اتخاذه، أي قبل فتح تحقيق لقضائي، لأنها في هذه الحالة تكون لجنة تقصي الحقائق مضطرة، آنذاك لرفع يدها عن المهمة الموكلة لها 

كل هذه الامكانيات القانونية، المنصوص عليها دستوريا، لم يتم اعمالها من طرف المعارضة البرلمانية لتوضيح الرؤيا للرأي العام بخصوص المشكل، او التداعيات الحقيقية، لحراك الريف بل لما لا، عرض اقتراحات، لوجود حلول ناجعة وعدم تكرار ما جرى. 

كما لا تفوتنا الفرصة، للحديث عن الية دستورية اخرى وهي الجلسات المشتركة بين المجلسين أي مجلس النواب ومجلس المستشارين التي يسمح بها الدستور وذلك لعقد اجتماعات مشتركة للاستماع الى بيانات. بل خول لها الدستور أي تلك اللجان المعنية في كلا المجلسين، ان تساءل وتطلب الى الوزراء المكلفين بالأمن، والعدل، وكل المسئولين المباشرين عن اجهزة الامن، وعمليات الردع، على الاصعدة الوطنية والإقليمية، والمحلية كذلك امكانية الاتم الذي لم يقع على مسؤولي الادارات العمومية المعنية بحضور الوزراء المعنيين بذلك القطاع وتحت مسؤوليتهم.

3) المعارضة الغير البرلمانية

كما يعلم الجميع، أن هناك أحزاب معرضة غير مشاركة في البرلمان، مع الأسف، وفي حدود علمي لم تعبر عن موقفها الرسمي بإصدار بيانات أو مواقف رسمية، وتعاطيها الايجابي مع هذا الحراك، وفي تأطيرها في الاتجاه، الذي يخدم والمواطنات والمواطنين، والدفاع عنهم، ويخدم كذلك مصلحة الوطن، ولو بمقاربة تختلف عن الاتجاه الرسمي، اللهم بعض التغريدات في العالم الافتراضي، لبعض مناضلي حزب الطليعة الاشتراكي.

4) رئــاـسة الحكومة

نبين القضايا المخولة دستوريا لمجلس الحكومة في شخص رئيسها، قصد التداول بشأنها ومنصوص عليها في الفصل 92 من الدستور الحالي التداول بخصوص القضايا المرتبطة بحقوق الانسان وبالنظام العام ومرآك الريف تنطبق عليه هذا الوصف في حين اتضح للرأي العام الوطني التحرك الاخير المحتشم لرئاسة الحكومة والذي جاء متأخرا ولا يتناسب وأهمية وراهنية الحدث.

 في حين يتعين تفعيل اثار قاعدة " الحكومة مسؤولة بشكل تضامني " عن العمليات الامنية وحفظ النظام العام وحماية الديمقراطية وحقوق الانسان وإلزامها بخيار الجمهور والبرلمان بأية احداث استوجبت تدخل القوة العمومية وبمجريات ذلك بالتدقيق وبالعمليات الامنية ونتائجها والمسؤوليات وما قد يتخذ من التدابير التصحيحية وهذا ما نصت عليه هيئات التنصاف ونشرته في تقريرها الختامي. 

5) المجلس الاعلى للأمن 

على اثر الأحداث التي عرفتها" منطقة الحسيمة" والمناطق المجاورة لها، وتعاطف بعض المدن مع هذا الحراك، كمدينة الرباط، و التفكير بتلك المناسبة، بالوضعية الاجتماعية والاقتصادية لمدنهم، كما وقع في مدينة مكناس، طنجة و مدن أخرى . ظهر على السطح، مشكل طبيعة تدخل القوات العمومية، او بالتدقيق مدى تناسب استعمال القوة العمومية من طرف الاجهزة المكلفة بإنفاذ القانون، مع طبيعة الحدث في علاقتها مع المتجمهرين. وهو موضوع قديم جديد، اذ طرح هذا لمشكل بشكل كبير، بمناسبة الأحداث الاجتماعية، التي عرفها تاريخ المغرب، كأحداث 1965- 1981- 1984- 1990، والتي عرفت بشكل جلي، عدم تناسب استعمال القوة العمومية مع تلك الأحداث ان لم نقل الاستعمال المفرط. 

 واعتقد ان هيئة الإنصاف والمصالحة، أشارت في تقريرها إلى هذا الموضوع، بتفصيل وأكدت على ضرورة تناسب استعمال القوة العمومية مع الاحداث الواقعة. 

صحيح ومن باب المصداقية القول ان تناسب استعمال القوة العمومية لم يعد بالشكل الذي كان يمارس به في العهود ألسابقة ولكن مازالت هناك بعض الحالات التي يستشف منها عدم اتناسب استعمال القوة العمومية مع المتظاهرين او المتجمهرين تصل الى حد العنف الجسدي واللفظي. الأمر الذي يستدعي، وتوضيح ونشر الإطار القانوني، والنصوص التنظيمية، المتصلة بالجهاز الأمني فيما يتعلق بصلاحيات، وتنظيم مسلسل اتخاذ القرار الأمني، وطرق التدخل، أتناء العمليات وأنظمة المراقبة، وتقييم عمل الأجهزة الاستخباراتية، والسلطات الإدارية المكلفة بحفظ النظام العام، وكذلك التي لها سلطة استعمال القوة العمومية لتحديد مجال وشكليات وحدود أو ممارسة العنف المشروع . 

اذ انه باستقراء النصوص المنظمة للوظيفة العمومية، تجد فقط الإشارة الى ضمانات تهم الموظف وحمايته، خلال القيام بوظيفته، كعدم الاعتداء عليه، أو سبه، أو اهانته بمناسبة القيام بعمله. في المقابل هناك غياب، تام عن ضمانات تهم المواطنين، وحدود لا يمكن تجاوزها من طرف الجهات المكلفة بالنفاذ القانون. 

علما ان الدستور ينص في الباب الثاني المتعلق بالحريات والحقوق الاساسية وبالضبط الفقرة الثانية من الفصل 6 تشير" تعمل السلطات العمومية على توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات والمواطنين والمساواة بينهم: ومن مشاركتهم في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية ". 

 كما ينص الفصل الفقرة الثانية من الفصل 21 من دستور 2011 : ". تضمن السلطات العمومية سلامة السكان وسلامة التراب الوطني في إطار احترام الحريات والحقوق الاساسية المكفولة للجميع

 وينص الفصل 22 على انه:" لا يجوز المس، بالسلامة الجسدية او المعنوية، لأي شخص، في أي ظرف، من الظروف، ومن قبل أي جهة كانت، خاصة، او عامة. .كما لا يجوز، لأي احد أن يعامل الغير، تحت أي ذريعة، معاملة قاسية، أو لاإنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية."

وهذا الاطار وأمام الحديث عن عدة حالات التي تناقلتها وسائل الإعلام والعالم الافتراضي، تهم العنف اللفظي، والمادي الصادر عن السلطات المكلفة بإنفاذ القانون، يستوجب الامر تفعيل وفي اقرب الآجال المجلس الأعلى للأمن، اجل توصيف وتصنيف حالات الأزمة الأمنية، وشروط التدخل فيها، بما يتناسب وكل حالة، وكذا سبل المراقبة، ووضع التقارير عن التدخلات الأمنية. 

جعل الاشراف السياسي على عمليات الأمن، وحفظ النظام العام، فوريا وشفافا، وذلك بنشر تقارير عن العمليات الأمنية، وما خلفته من خسارة، وأسباب ذلك، والإجراءات التصويبيه المتخذة. 

كل هذه الامور تستوجب التفعيل العاجل للمجلس الاعلى للأمن، كهيئة استشارية تماشيا مع مقتضيات الفصل 54 من الدستور، قصد تفعيل استراتيجيات الأمن الداخلي، والتنفيذ الجيد لتدبير حالة الازمات، والسهر على ماسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة.

: خــلاصـــة 

يتعين احتواء الوضع بمدينة الحسيمة باعتماد الحكمة، وتفعيل أدوار كل الآليات أو" المؤسسات" الدستورية، تفاديا لوقوع أحداث مماثلة، في كل جهات المملكة، واستخلاص بعض الاختلالات محليا، وجهويا ووطنيا، اذ يتعين الوقوف، على تلك الاختلالات، والتعاطي الايجابي مع تلك المطالب الاجتماعية والاقتصادية المشروعة لمنطقة الريف وجميع مناطق المغرب التي تعاني من خصاص كبير في عدد من المجلات والمرفق العمومية اللازمة وكل ذلك بإعمال المقاربة التشاركية و الحكامة الجيدة المنصوص عليهما دستوريا.  

بقلم الاستاذ عـــمر ألـــــــوان 

المحــامـي بــهيـئة الدار البيضاء


Rechercher un article