العدالة الرقمية من النظرية إلى التطبيق
الخامس فاضيلي
محامي بهيئة الدار البيضاء

العدالة الرقمية من النظرية إلى التطبيق

  • بتاريخ 24 janv. 2018
  • 3018 عدد المشاهدات
  • تعليقات

يشهد العالم عصرا جديدا يطلق عليه ثورة المعلوميات، وقد نشأت هذه الثورة عن طفرتين هما : طفرة الاتصالات، وطفرة تقنية المعلومات إلى أن أصبحت وسائل الاتصال الحديثة كشبكة الإنترنيت من الوسائل التي لا يمكن الاستغناء عنها، وقد تولد عن ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات العديد من التطبيقات التي أثرت تأثيرا كبيرا في أوجه النشاط الاجتماعي والاقتصادي والقانوني كان من أهمها ظهور التجارة الإلكترونية   والتعليم الإلكتروني  والعدالة الإلكترونية، فما المقصود بالعدالة الرقمية وما هي تجلياتها؟ وكذا ما هي المتطلبات الفنية والقانونية لوجودها؟ وأي دور للمحامي الرقمي؟ وما هي أهم تطبيقات العدالة الرقمية؟.

العدالة الرقمية: الآفاق والتحديات 

لم يمكن مجال العدالة أبدا بمعزل عن التطورات التكنولوجية إذ أتاحت هذه الأخيرة للمؤسسات القضائية والقانونية الاستفادة من هذه الطفرة عبر تسخير الثورة الرقمية لخدمة العدالة والقانون.

ويعتبر الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية هو حجر الزاوية في البلدان الديمقراطية، ويأمل المواطنون في إقامة نظام عدالة يتسم بالإنصاف والاستقلال والمساواة والكفاءة والشفافية يمكن الجميع من الوصول إلى عدالة أفضل، لهذه الغايات تم تصميم نظام العدالة الرقمية بهدف تجاور سلبيات العدالة التقليدية وتحسين جودتها وسيرها.

ويقصد بالعدالة الإلكترونية بشكل خاص استخدام تكنولوجيات المعلومات والاتصال في تحقيق الولوج المستنير لمرفق العدالة وتسهيل التواصل بين مختلف الفاعلين ميدان القانون والقضائي (المحامون، القضاة، كتاب الضبط)، وتتمثل الفوائد الرئيسية لنظام العدالة الرقمية في زيادة كفاءة النظام القضائي، والحد من التكاليف وتقليص أمد الخصومات القضائية، وكذا تبسيط الإجراءات والمساطر القانونية، والزيادة في إنتاجية المحاكم، والتقليل والحد من فرص الفساد والرشوة، كما أن قيام المحكمة الافتراضية بعقد جلساتها عبر مؤتمرات الفيديو يقرب العدالة من المواطنين خصوصا القاطنين في المناطق النائية ويذلل الصعوبات المتعلق بالاختصاص المكاني إذ أنه في مجال العدالة الرقمية يعفي المتقاضين من الانتقال إلى المحاكم وهذا النظام يحد كذلك من اكتظاظ المحاكم.

ويواجه تنزيل العدالة الرقمية على أرض الواقع صعوبات وتحديات كثيرة تختلف من بلد إلى أخر، إذ أن هناك دول قطعت أشواطا في تطبيق العدالة الرقمية، وبعضها الآخر مازال متأخرا عن الركب، وهذا راجع إلى عوامل بنيوية مختلفة.

وتجدر الإشارة أنه في بلادنا رغم المحاولات التي قامت بها وزارة العدل عبر إنشاء البوابات القانونية والقضائية، وعبر إنشاء بعض الخدمات القضائية عن بعد، فإنها لا ترقى إلى مفهوم العدالة الرقمية التي يتم فيها إعفاء الأطراف والمتقاضين والمحامين من الحضور إلى المحكمة لتقديم مقالاتهم ومذكراتهم إذ رفع الدعاوى في هذا النظام يتم عبر الإيداع الإلكتروني أو توجيهها من خلال البريد الإلكتروني، بل حتى أداء المصاريف القضائية يتم عبر وسائل الأداء الإلكتروني بمختلف أشكالها، ويتم قيد الدعوى إلكترونيا وتوجيه الاستدعاء عبر الوسائط الإلكترونية للطرف المدعى عليه الذي يقوم بالجواب بشكل إلكتروني.

وهنا لا بدمن التذكير بنموذج يحتذى به هو شبكة المحامين الخاصة الافتراضية  في فرنسا (RPVA) وهي عبارة عن شبكة للحاسوب آمنة تتيح تبادل الإجراءات المدنية والجنائية بين المحامين والمحاكم، ويتم تأمين المعلومات عبر مفتاح سري يحصل عليه المحامي المشترك في الخدمة، وكذا يتم ضمان موثوقية هذه التعاملات عبر التوقيع الإلكتروني المؤمن وشهادات المصادقة الإلكترونية.

أما فيما يتعلق بالتحديات التي يطرحها إدخال تكنولوجيات المعلومات والاتصال في مجال العدالة، فقد أثبت الدراسات والأبحاث أن إدماج الأنظمة المعلوماتية في قطاع العدالة أكثر تعقيدا مما كان متوقعا، نظرا لكثرة الإجراءات والمساطر وتعقدها في المحاكم التقليدية، كما أن تطوير وتطبيق نظام العدالة الرقمية يستتبع تعديل وتغيير وتطويع بعض المعايير والأنظمة والقوانين التي تؤطر الممارسات القضائية بين الفاعلين الأساسين في ميدان العدل.

العدالة الرقمية: المتطلبات الفنية والقانونية

من أهم المتطلبات الفنية للعدالة الإلكترونية وجود أجهزة حاسوب وشبكة الإنترنيت وكذا خوادم لتخزين وحفظ المعلومات والمعطيات القضائية بالإضافة إلى ضرورة توفر برامج معلوماتية متطورة لها القدرة على معالجة البيانات ونقلها وتبادلها بشكل تفاعلي بين مختلف الفاعلين، بالإضافة إلى ذلك فلتطبيق نظام العدالة الرقمية لابد من الأطر البشرية التي يجب أن تتوفر فيها الكفاءة العالية في استخدام البرامج الإلكترونية.

كما يتطلب الأمر كذلك وسائل تقنية للتشفير التي تستهدف حماية سرية المعلومات والمعطيات عن طريق استخدام رموز خاصة تعرف باسم المفاتيح، وتشفير البيانات يستهدف المحافظة على سلامتها وتأمين خصوصيتها ولا يستخدمها إلا من وجهت إليه، وكذا لا بد من استخدام الكلمات السرية وأنظمة تأمين المعلومات من أجل حماية بيانات المتقاضين وحقوقهم وأسرارهم.

وتمتاز العدالة الرقمية بما ما يسمى الأرشيف الإلكتروني عن طريق تسهيل عملية الاستنساخ في عدة أشكال، وبسرعة و بأقل تكاليف من نسخ الورق، كما يمكن تحويله آليا من مكان إلى مكان بفضل الانترنت. يصبح حفظ ملفات المحكمة عبارة بنك للمعلومات الإلكترونية على مستوى الدولة، يحفظ الأرشيف على المدى الطويل، كما أنه لا يستغل حيزا مكانيا كبيرا، وهو بديل عن المستودعات الضخمة التي هي بحاجة إلى العنصر البشري واستثمارات إضافية.

ويجد نظام العدالة الرقمية قواعد قانونية في القانون 05-53 المتعلق لتبادل الالكتروني للمعطيات الالكترونية، هذا القانون الذي حدد النظام المطبق على المعطيات القانونية التي يتم تبادلها  بطريقة الكترونية وعلى المعادلة بين الوثائق المحررة على الورق وتلك المعدة على دعامة الكترونية وعلى التوقيع الالكتروني  و يحدد النظام القانوني المطبق على التوقيع الالكتروني المؤمن والمشفر وكيفية المصادقة الالكترونية، هذا المقتضيات ستساهم لا محالة في تنزيل نظام العدالة الرقمية في بلادنا.

ومن جهة أخرى، فإن العدالة الرقمية باعتبارها نظام معلوماتي تخضع للقواعد الحمائية المنصوص عليها في القانون رقم 03-07 المتعلق بالجرائم الواقعة على نظم المعالجة الآلية للمعطيات، إذ عمد المشرع في هذا القانون إلى مواجهة الأفعال الجرمية المنصبة على المعلوميات، وهي جريمة الدخول أو البقاء غير المشروع في نظام المعالجة الآلية للمعطيات أو في جزء منه مع النص على ظرف مشدد إذا نتج عن الدخول أو البقاء حذف أو تغيير أو اضطراب في سيره، وجريمة عرقلة سير نظام المعالجة الآلية للمعطيات والإخلال به، وجريمة إدخال معطيات في نظام المعالجة الآلية للمعطيات أو إتلافها أو حذفها أو تغيير المعطيات أو طريقة معالجتها أو طريقة إرسالها وجريمة التزوير أو التزييف المعلوماتي.

ومادامت المحكمة الرقمية تتضمن معطيات وبياننات خاصة شوخصية، فهي بذلك تخضع للقانون رقم 08.09 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، والذي عهد إلى اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات طابع شخصي مسؤولية السهر عليها، مما يتطلب العمل على تحصين الأنظمة المعلومياتية وتأمين الخوادم بهدف تحقيق الحماية للمتعاملين في ميدان العدالة. 

المحامي الرقمي: في صلب العدالة الرقمية

ظهر حديثا ما يمكن أن نسميه المحامي الإلكتروني الذي يقوم بتقديم خدمات الاستشارة عبر شبكة الإنترنيت والشبكات الاجتماعية، ويتعامل بشكل إلكتروني مع موكليه دون الحاجة إلى الالتقاء بهم، كما أنه يتبادل الإجراءات مع المحاكم عبر الوسائط الإلكترونية، مما جعله في صلب العدالة الرقمية وفاعلا أساسيا فيها.

وفي دراسة قامت بها نقابة المحامين الأمريكيين (ABA) أوضحت فيها أن استخدام المحامين لوسائل الإعلام الإجتماعية آخذة في الإرتفاع، إذ مكنت التكنولوجيا المحامين من التواصل مع بعضهم البعض، كما مكنت الجمهور من معرفة المعلومات اللازمة عن المحامين، الأمر الذي يطلب إعادة النظر في القواعد الأخلاقية التقليدية وآليات تنظيم مهنة المحاماة على مستوى الشبكات المفتوحة، 

وقد ساهمت سهولة الوصول إلى المعلومات القانونية المنافسة من أطراف ليسوا بمحامين في خدمات تعتبر تقليديا جزءا لا يتجزء من مهنة المحاماة، كما لوحظ من قبل نفس النقابة أنه يجب أن يكون المحامون جاهزين لممارسة مهنية تسمح للعملاء بطريقة جديدة للوصول إلى الخدمات القانونية باستخدام تكنولوجيا المعلومات والإتصال، وخشية أن يعتقد البعض أن قانون الممارسة عبر الإنترنت أو الممارسة الإفتراضية من نسيج الخيال، فقد أصدرت نقابة المحامين الأمريكيينكتابا بعنوان "قانون الممارسة الإفتراضية" الذي يتضمن كيفية تشغيل مكتب افتراضي مع المحافظة على أخلاقيات المهنة.

في عالم اليوم، أصبح استخدام تكنولوجيا الاتصال الحديثة يعرف تطورا متزايدا في الحياة اليومية، وفي ظل هذا التوجه ارتفعت وثيرة استخدام المحامين للفاكسات والهواتف اللاسلكية، والهواتف الخلوية، والبريد الإلكتروني، والبريد الصوتي، والشبكات الداخلية وشبكة الإنترنت في تسيير أعمالهم، على الرغم من أن بعض المحامين لا يزالون يرفضون استخدام التكنولوجيات الجديدة في ممارساتهم، فعدد المحامين الذين يستخدمون الهواتف الخلوية و"تصفح الشبكة" في تطور مستمر. 

هذه التحديات الجديدة جعلت من الصعب على المحامين تحديد الأخلاقيات والمبادئ عبر الشبكات المفتوحة، فلم تكن مهنة المحاماة، ولن تكون بعيدة عن مبدأ التأثر والتأثير، ولن تكون بمعزل عن هذه التطورات الجذرية -الإنفجارية -التي من حولها، مما استدعى الاستفادة من المعلوميات في تدبير مكاتب المحاماة واستخدام الطابعات والفاكسات وآلات النسخ والماسحات الضوئية وتطبيقات الهواتف الذكية، ثم بعد ذلك جاءت الإنترنيت التي فرضت نفسها فرضا في حياته اليومية والمهنية، فتغيرت العديد من أشكال الممارسة في مهنة المحاماة، وأنتجت ما يصطلح عليه المحامي الرقمي.

التحكيم الإلكتروني: نموذج رائد للعدالة الرقمية

يقصد بالتحكيم الإلكتروني ذلك التحكيم الذي تتم إجراءاته عبر شبكة الإنترنـت، وهـو يكتـسب صـفة الإلكترونية من الطريقة التي يتم بها، حيث تتم بطريقة سمعية بصرية عبر شـبكة دوليـة مفتوحـة للاتصال عن بعد، دون الحاجة إلى التقاء أطراف النزاع والمحكمين في مكان معين.

ويعود سبب نشوء هذا النوع من التحكيم إلى حاجات عملية أفرزها تطور الحياة الاقتصادية، وازدياد حجم التجارة الدولية وأهميتها، وإبرام العقود وإنجاز الأعمال القانونية باستخدام تقنيات المعلومات والاتصال، كل ذلك أدى إلى ظهور عديد من المشكلات والصعوبات التي تعترض التجارة الإلكترونية، ولاسيما التناقض بين نطاق الحماية الإقليمية، وبين الطابع العالمي للشبكات التي تتم التجارة  وقد فتح استخدام الآليات التقليدية لتسوية المنازعات المجال لبروز مسائل عديدة عند استخدام هده الآليات في تسوية منازعات التجارة الإلكترونية، خاصة تلك المتعلقة بتحديد المحكمة المختصة وبسلطاتها وحدودها  إزاء هذه الصعوبات والمشكلات اتجه العمل نحو إيجاد آليات بديلة لتسوية المنازعات باستخدام التقنية ذاتها، أي أن يجري حل المنازعات عبر شبكات الاتصال، فيتم تفادي الاصطدام بالطابع الإقليمي عبر تسوية غير مكلفة، وسريعة، وفعالة، ودولية، ذلك كله دون حاجة لوجود الأطراف المتنازعة في مكان واحد.

 ويكتسي مجال التحكيم الالكتروني أهمية عظيمة على المستوى الوطني والدولي لأنه الأسلوب الأكثر نجاعة وخصوصا في التجارة الإلكترونية، والنظم والتقنية المعلوماتية، والحوسبة التطبيقية، والمعاملات الإلكترونية، والتحويلات التجارية على الإنترنت، والتعاملات البنكية ووسائل الأداء الإلكتروني، وقوانين الملكية الفكرية المتعلقة بالإنترنت.

  ويمر التحكيم الإلكتروني بمراحل عدة ممهَدة باتفاق تحكيم إلكتروني يتخذ شكل شرط    أو عقد تحكيم،  وفي هذا الإتفاق ينبغي مراعاة الشروط اللازمة لقيام العقود الإلكترونية, على وجه صحيح، وهي الشروط التي جاء بها القانون رقم 05.53 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانوني الذي أضيف لمقتضيات قانون الإلتزامات والعقود، ورفع من حجية المحررات الإلكترونية إلى مصاف المحررات الورقية فيما يخص الإثبات متى كانت هذه المحررات قد احترمت شروط التي تضمن تماميتها وجاءت موقعة بآلية لإنشاء التوقيع الإلكتروني, تكون صلاحيتها مثبتة بشهادة للمطابقة.

وقد تبنت العديد من التنظيمات الاقتصادية الإقليمية، والاتحادات المهنية الأساليب الإلكترونية في تسوية منازعات التجارة الدولية. فجمعية المحكمين الأمريكيين طورت "نظام القاضي الافتراضي" الذي يتيح جريان التحكيم أو بعض أجزائه على شبكات الحواسب الآلية، وأيضاً تنتمي إليه المحاكم الإلكترونية الخاصة بالمنظمة الدولية لحماية الملكية الفكرية "WIPO" ، فقد وضعت نظاماً لتسوية بالتعاون مع منظمة الآيكان "ICANN "المتعلقة بأسماء حقول الإنترنت فقد وضعت نظاماً لتسوية منازعات أسماء الحقول(الدومين) عبر شبكات الحواسب الآلية، كما أنها وضعت نظاماً للتحكيم السريع. نستخلص أن هذا النوع من التحكيم الإلكتروني (الافتراضي) هو صورة من صور التحكيم في مجالات التجارة الإلكترونية، والملكية الفكرية المتعلقة بالإنترنت.

بذلك يبدو أن التحكيم الإلكتروني هو نموذج متطور للعدالة الرقمية خلق ليلائم النزاعات الناشئة بصدد قيام أو تنفيذ معاملات إلكترونية، نظرا للمزايا الكبيرة التي تميزه عن القضاء والتحكيم التجاري التقليدي.

في الأخير هذه كانت مجرد لمحة مختصرة على موضوع آني بحاجة إلى تظافر مجهودات جميع الفاعلين من أجل الإحاطة بجميع جوانبه سواء تلك المتعلقة بالإجراءات المدنية أو الجنائية أو بالمحاكمة من أجل تحسين العدالة الإلكترونية في بلادنا، وفي سبيل تحقيق التنمية المستدامة، إذ أن استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصال في مجال العدالة يؤدي إلى تعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات وتحيق مبدأ القضاء في خدمة المواطن.

البحت